صناعة اللحظة

صناعة اللحظة

وأنت تصمم حياتك ستتعارض معك الأحداث والظروف والأشخاص، لن تُترك في حالك، لن يتوقف الزمن، ولن يسكن المكان، ولن يسكت الناس، ولن تتسامح الظروف، المواء والعواء والأزيز والقصف، وكل تصرفات الحياة ستظل تزن كلغة غامضة في أذنك!

ما هو الحل؟

وأقول لك: وما هي المشكلة، أنت لست أمام مشكلة حتى تبحث لها عن حل! أنت أمام الحياة، الحياة ليست مشكلة بحاجة إلى حل، الحياة موجود وحسب، الحياة موجودة كي تُعاش، إذن أين المشكلة؟

أنت المشكلة!

لن تقل لي: بأني أقسو عليك مؤخراً، هذه ليست قسوة، هذه معرفة، المعرفة قوة، كن منطقياً قليلاً، وسترى معي أن ربطك لارتياحك في الحياة وتصميمها بشكل مناسب لك ومريح بترتيب الأحداث الخارجية ربط غير منطقي، ماذا يعني هذا الكلام؟

إذا شعرت بأن حياتك بحاجة لتصميم من جديد كي تحقق أهدافك، وتستمتع بأوقاتك، ولكنك ما إن تشرع في تصميم حياتك، أو حتى الانخراط بها، إلا وتتفاجأ بحدث لم يكن في الحسبان، إلا ويطرأ ظرف يغير الخطة، إلا وتسمع كلمة من مديرك، أو من يهمك أمره تزعجك، فتتكدر حياتك، ويتعطل برنامجك، وتعود للمربعات الأولى حيث الشكوك واليأس القتَّال!

في الحقيقة أنت لا تتعامل مع المواقف التي تحدث لك، أنت تتعامل مع مخاوفك وعقدك القديمة، أنت لا تتعامل مع الناس، أنت تتعامل مع توقعاتك واثباتاتك تجاههم، الحياة عبارة عن سلسلة متصلة من الوقائع التي تحدث على الدوام، هذه الوقائع تسابقها أنت بالتعلقات والمخاوف، لذلك أنت لا تتعامل مع الموقف، بل تتعامل مع ضغوطك الداخلية، والتي تزداد مرة بعد أخرى، وكلما زادت المواقف زادت الضغوط، حتى إذا ما أتى موقف بسيط جداً انهرت تماماً، لماذا؟ لأنك راكمت الضغوط التي لا داعي لها!

هيه، استيقظ، إنها الحياة يا صديقي، كأنك لا تعرفها!

هي هكذا، جمالها في تنويعاتها، قوتها في تمارينها المستمرة، كن مرناً، متماوجاً، لدناً، رطباً غير يابس، امتص رحيق الحياة عن آخره، واستمد قوة الحياة من الحياة نفسها، كن أنت الحياة، دع الأحداث والأشياء والأشخاص يعبرون منك، لا أن يعبروا فيك ويمزقوك، كن شفافاً، يقظاً، مسترخي القلب، مبتهج الضمير، لا تربط بين تصميمك للحياة وعيشك للحياة بتوقف الأحداث، أو استجابة الناس، اربط نفسك بنفسك، اربط حياتك بحياتك.

عندما تصمم حياتك على هذا النحو، ستبدأ الاختبارات بالتوالي كي تقويك، وتقيس مدى صدقك في عيش الحياة لا في مكافحتها، عندما يدعوك شيء في داخلك للتذمر تخلى عنه مباشرة، عندما يبدأ لسانك في الشكوى توقف في نصف الكلمة ولا تكملها، هل تعلم أنك بذلك تحل جميع المشاكل، لقد توقفت عن محاولة حل مشكلة الحياة، وأنت الآن لا تحاول أن تحل شيئاً، وهذا بالضبط هو الذي يؤهلك لخوض هذه الاختبارات والتسامي معها وبها، والطفو فوق سطح الآلام للنفوذ إلى كينونتك المتفردة، والتي ستتعرف عليها أكثر وأكثر، وتتحدا كنموذج نادر ومثال يحتذى في هذه الحياة الكثير قتلاها.

تمسك بهذا الحبل القوي المتين الملتف، سيصعد بك إلى أعلى، إنك الآن تنظر إلى مدينتك، وتصعد لترى قارتك، وتصعد لترى القارات السبع وما خفي منها، وتصعد لترى كوكباً يصغر ويصغر، إن هذه النقطة السابحة في عالم الملكوت، هي نفسها التي تجري فيها الأحداث، ويتهارش من تسميهم ناس، ثم انظر من جهة أخرى للتاريخ والمستقبل وقس لحظة وجودك في هذه الحقب الزمنية المتطاولة وقسه بسرعة الضوء، ستنظر لعمرك كشهاب صغير سريع ومض للحظة ثم انطفأ، الحياة كلها هذه اللحظة فكن صانعاً جيداً لها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خريطة الوهم، تسمية الأشياء بغير أسمائها

متاهة العقول المتورمة "تضخم الجسد الفكري ودمية ماتريوشكا"

الفطر الحكيم🍄